علم النفس السلوكي

Behavioral Psychology

 

يعتمد علم النفس السلوكي على دراسة السلوك من خلال استخدام المنهج العلمي لدراسة الوظائف العقلية و أنماط السلوك، و ذلك من خلال دراسة سلوكيات الأفراد و المجموعات، و مع تنوع و تعدد مدارس و اتجاهات علم النفس المختلفة التي تختص كلٍ منها بدراسة جانب معين من جوانب النفس، فكان من الطبيعي أن تنشأ مدرسة فكرية في علم النفس تهتم في المقام الأول بدراسة السلوك. و لقد نشأ علم النفس السلوكي لدراسة السلوك الإنساني مما يسهم في أساليب العلاج النفسي و التأهيل النفسي و المهني، و أساليب اختيار الأفراد للمهن المختلفة... إلخ. و يكون السلوك إما سلوكاً ظاهراً كالانفعالات المختلفة مثل الحزن و الغضب و غيرهما أو باطناً كالتفكير و الأحلام و التذكر و غيرهم. و يتكون السلوك من مثير و استجابة ، أما المثير فقد يكون داخلي كالجوع أو العطش أو الخوف أو خارجي كالأصوات و الأضواء والمؤثرات البيئية المختلفة ، و ليس بالضرورة أن تكون الاستجابة بنفس مقدار المثير، لأن السلوك ليس استجابة ميكانيكية يمكن أن ينطبق عليه قانون الفعل ورد الفعل لنيوتن ، أي أنه ليس بالضرورة أن يكون بنفس المقدار و لا أن يكون مضاد في الاتجاه ، فالسلوك ظاهرة نفسية و ليس ظاهرة فيزيائية، يدخل فيها عوامل أخرى تؤثر في شكل الاستجابة، هذه العوامل قد تكون خبرات سابقة ، أو الوسط المحيط أي الظروف التي حدث فيها المثير ، و بالتالي تكون الاستجابة متغيرة حسب هذه العوامل أو غيرها من العوامل .

و قد أسس جون واطسون John Broadus Watson أول مدرسة سلوكية كإمتداد للمدرسة الوظيفية عام 1912 م ، وكان مبدأها : إن علم النفس يدرس السلوك القابل الملاحظة فقط و البعد عن دراسة الوعي و الخبرات الشعورية و التركيز فقط على السلوكيات التي بإمكاننا ملاحظتها بشكل مباشر فقط و البُعد عن تفسيرات الغرائز و الشعور و الإرادة و التفكير، أي أنه تعتمد هذه المدرسة على دراسة السلوك بالملاحظة و التجريب نظراً لرؤيتها للسلوك على أنه أي استجابة أو نشاط قابل للملاحظة ، لذلك كانت تجري تجارب على الحيوانات لفهم السلوك الإنساني . و دراسة أصل السلوك من حيث كونه وراثي أم بيئي و الذي انطلق منه أن دراسة السلوك الملاحظ باستخدام الطرق العلمية الموضوعية قد أظهر أن الإنسان كائن يستقي سلوكه بحتمية بيئته و لا يرى أن هناك ما يسمي عوامل داخلية أو صانعة للسلوك و أنه ليس هناك أي داعي لدراسة أي عوامل أخرى باعتبارها مؤثرة من وجهة نظره حيث أن كافة النشاطات مهما كانت معقدة يمكن ملاحظتها و إخضاعها للقياس. و أساس المدرسة السلوكية تعتمد على العلاقة التآثرية بين "المثير" و "الاستجابة" . و ترى هذه المدرسة أن الدوافع الموجهة نحو غاية بعينها لا تحرك الإنسان و لكنها تتأثر بالمثيرات الفيزيقية فتصدر عنها استجابات عضلية و غددية مختلفة .

و تعد المدرسة السلوكية امتداداً للمدرسة الوظيفية بالرغم من أنها خلقت رداً على الاختلاف بين الوظيفيين _المدرسة الوظيفية التي كان رائدها (وليام جيمس William James)_ في الطرق و الأساليب التي انتهجوها في علم النفس، و كان واطسون يتخذ المنهج العلمي في دراسة و ملاحظة السلوك بطرق موضوعية ، أي دراسة السلوك الظاهر الذي يمكن ملاحظته مباشرةً ، السلوك الذي يتكون ببساطة من مثير واستجابة .

 

من أهم رواد المدرسة السلوكية بعد مؤسسها جون واطسون:

1. إدوارد ثورنديك Edward L. Thorndike

2. كلارك هول Clark Leonard Hull

3. إدوارد تولمان Edward Tolman

4. بوروس فردريك سكينر B. F. Skinner

 

مبادئ المدرسة السلوكية:

• السلوك هو وحدة الدراسة النفسية.

• كل أنواع السلوك نتاج التعلم ، و السلوك المضطرب هو نتيجة تعلُم خاطئ من البيئة، و البيئة لها دور أساسي في تعلُم السلوك أكبر من دور الوراثة. المنهج المستخدم في الدراسة هو أسلوب الملاحظة المباشرة و المنهج العلمي كأسلوب موضوعي يختلف عن منهج الاستبطان الذي اتبعته المدرسة البنائية ، و الذي يفتقر للدقة ، و إمكانية التعميم .

• الاهتمام بنواتج السلوك أكثر الظاهرة أكثر من العمليات العقلية الداخلية .

• النظر إلى السلوك على أنه ارتباطات تتشكل من مثيرات و استجابات .

 

تجربة ألبرت الصغير:

هناك تجربة شهيرة تسمى تجربة "ألبرت الصغير Little Albert Experiment"، التي قام بها واطسون بمعاونة مساعدته وزوجته (روازلي راينر Rosalie Rayner) في عشرينيات القرن العشرين ويعرفها كل دارس لعلم النفس حيث قام بتعريض طفل صغير أُطلق عليه اسم ألبرت، قام بتعريضه لعدد من المؤثرات، حيث وضع أمامه فأراً أبيض فقام الطفل بمحاولة تلقائية للمس الفأر حيث لم تكن لديه أي مخاوف مسبقة من الفأر الأبيض، وكان واطسون يأمر مساعديه بعمل صوت مزعج خلف الطفل عند محاولته للمس الفأر، وتم تكرار التجربة في كل مرة يحاول ألبرت لمس الفأر الأبيض يحدث الصوت المزعج، حتى اقترن الصوت المزعج بالفأر الأبيض ، و بعدها وضعها الفأر أمام الطفل مرة أخرى دون الصوت المزعج ، و لكن رد فعل الطفل الصغير تحول إلى البكاء و الفزع من الفأر الأبيض بمجرد رؤيته ، أيضاً تحول خوفه من الفأر الأبيض إلى الخوف من أي شيء له ملمس الفراء أو ذو فراء أبيض كالدمى الفراء المحشوة، وهو ما يسمى بظاهرة التعميم، حيث أصبح يخاف حتى من كل الحيوانات ذات الفراء ، و حتى قطعة فراء بيضاء ، و أن المرض النفسي سلوك متعلم، و هو ما يدل على أن الإنسان لا يولد و لديه مخاوفه بل يكتسبها من البيئة ، و ليس بالوراثة ، أي أن المخاوف المختلفة هي سلوك خاطئ تم تعلمه من البيئة ، أثبتت التجربة إمكانية إحداث خلل أو اضطراب بصورة تجريية ، و بالتالي يمكن أيضا علاج هذا الاضطراب عن طريق قواعد علم النفس والعلاج النفسي السلوكي ،كما أن تلك التجربة أثارت انتقادات أخلاقية ، حيث أنها أكسبت هذا الطفل مخاوف لم يكن يعاني منها من قبل ، لأن العلم يرفض إيذاء الإنسان فماذا عن طفل صغير تعرض لتجربة لإثبات فرضية معينة ، كما أن هناك بعض الاكتشافات التي قام بها مجموعة من علماء النفس المعاصري (هال بيك Beck Hall) ، (شارمان Sharman) ، و (جاري أيرونز Gary Irons)  مؤخراً عام 2009 بخصوص الهوية الحقيقية لألبرت الصغير، و هي أنه كان يدعى دوجلاس ميريت ، و أن والدته كانت ممرضة تدعى أرفيلا ميريت و كانت تعمل بمستشفى جامعة جون هوبكنز  John Hopkins University حيث كان يعمل واطسون و يجري تجاربه و للأسف فقد توفي عام 1925 عن عمر ست سنوات بسبب مرض يدعى (استسقاء الدماغ hydrocephalus)، و هو ما جعل بعض الانتقادات الحديثة تدعي أنه لم يكن طفلًا طبيعياً و بالتالي لا يمكن تعميم نتائج التجربة التي أجريت عليه ، ولكن كان أساس تجربة واطسون أنه طفل سليم، وجدير بالذكر أنه لم يتم إجراء تجارب مماثلة على أطفال بعد تجربة ألبرت الصغير.

 

أساليب دراسة السلوك:

هناك عدة أساليب لدراسة السلوك، يمكن تلخيص بعضها فيما يلي:

الملاحظة العامة : و تنقسم بدورها إلى نوعين هما : الملاحظة المفتوحة ، و الملاحظة المقيدة :

الملاحظة المفتوحة : تكون لسلوك موضوع الدراسة في محيطه الطبيعي دون تدخل ، و دون افتراضات مسبقة ، و يتم رصد و تسجيل الملاحظات فقط دون التدخل أو التحكم أو إدخال أي متغيرات خارجية ، هذا عن السلوك الظاهر الذي يمكن ملاحظته ورصده ، و لكن هناك أنواع سلوك غير ظاهرة لا يمكن رصدها وملاحظتها، كالأحلام، والتفكير، والذاكرة، فيتم اللجوء إلى المقابلة الشخصية أو دراسة الحالة أو قراءة ما يكتبه الشخص عن نفسه من مذكرات.

 

بعض عيوب أسلوب الملاحظة المفتوحة:

يُعاب على هذه الطريقة أنها قد تكون  غير موضوعية، حيث قد يدخل الرأي الشخصي للباحث في عملية الرصد أو قد يفسر أنماط السلوك أثناء رصدها، أو قد ينحاز لرأي معين .

نقص الدقة فيما يتعلق بالجزء المتعلق بالسلوك الداخلي حيث يكون الشخص موضوع الدراسة هو مصدر المعلومة، خاصة إذا طُلِبَ إليه أن يصف سلوكًا معينًا أو أحداث مرتبطة به، كما أن نوعيا الأسئلة التي توجه للأشخاص قد تختلف باختلاف الأشخاص، فلا يمكن مقارنتها، واستخدامها في القياس، ولكن يمكن التغلب على بعض أوجه النقص في أسلوب الملاحظة المفتوحة، باستخدام الوسائل التكنولوجية كآلات التصوير والتسجيل التي تسمح بالرصد الدقيق المستمر، لموضوع البحث، بدلًا من وجود العنصر البشري، الذي يفتقد بعض الدقة والموضوعية، ويكون لدى الباحثين في هذا المجال كم مهول من المعلومات وعليه أن يستخرج منها المعلومات التي تفيده، على سبيل المثال فإن رصد سلوك طفل صغير في يومٍ واحد فقط قد يملأ أكثر من أربعمائة صفحة .

وجود الباحث لرصد الأفراد موضوع السلوك، قد يؤثر في سلوكهم وتصرفهم بطريق طبيعية وتلقائية لمعرفتهم بوجود من يراقب تصرفاتهم .

 

الملاحظة المقيدة: في هذا النوع من الملاحظة يكون لدى الباحث سلوك معين يسعى لملاحظته هو بالذات، والتركيز عليه دون غيره من أنماط السلوك، يعاب على هذه الطريقة أنها قد تتجاهل تسجيل بعض الظواهر أو السلوكيات الجديرة بالدراسة في مقابل الاهتمام بالسلوك موضوع الدراسة، ولكنها مع ذلك أكثر دقة في الرصد من أسلوب الملاحظة المفتوحة، وهو ما يعوض وجه النقص الخاص باقتصارها على دراسة وجه واحد من أوجه السلوك.

 

أوجه دراسة السلوك :

1. الوقت: يقوم الباحث بملاحظة أنماط معينة من السلوك في وقت معين، فإذا كان عليه أن يرصد سلوك ستة أطفال يلعبون مثلًا في خلال فترة زمنية معينة، ولتكن ساعة، فعليه أن يتابع كل طفل على حدة لمدة دقيقتين كاملتين، على مدار خمس مرات وتسجيل السلوك المُلاحظ، كما أن الإنسان يصدر سلوكيات معينة في فترات معينة من الزمن، وتختلف هذه الأوقات من نمط لآخر ويتم تحديدها مسبقًا تبعا لطبيعة السلوك، وتتراوح بين ثوانٍ معدودة وساعات كأن يتم دراسة سلوك العدوان عند الأطفال في كل عشر دقائق أولى من أربع ساعات متصلة خلال مرحلةٍ ما، أو دراسة بعض جوانب سلوك تلاميذ المرحلة الابتدائية خلال اليوم الدراسي، فيختار الباحث حصتان واحدة في أول اليوم الدراسي، والأخرى في نهايته، مرتان في الأسبوع على مدار العام الدراسي.

2. وحدات السلوك: وحدات السلوك هي أي تغير يحدث في طريقة استجابة موضوع الدراسة، والتغير الذي طرأ في بيئتها، حيث لا يتعامل الباحث مع السلوك كوحدة متجانسة، بل يتعامل معه كجزيئات، ويقوم بدراسة كل تغير يحدث، ثم يتم تجميع وحدات السلوك المختلفة وتحليلها وتصنيفها إلى فئات، مثال لوحدات السلوك عند وجود طفلين يلعبان بالرمال على الشاطئ وتغير سلوك أحدهما من استخدام الرمال في بناء القصور إلى وضعها في رأس الطفل الآخر أو بعثرتها، هذا تغير في الاستجابة أي وحدة سلوك، أو تغير سلوك الأطفال من اللعب إلى العدوان.

3. الطريقة التجريبية: هي الطريق المستخدمة في كل مجالات البحث العلمي، حيث تحقق كل أهداف البحث العلمي الفهم، التنبؤ، التحكم، و تتكون كأي منهج بحث علمي، من متغير مستقل، ومتغير تابع، ومجموعة ضابطة و مجموعة متغيرة.

4. الطريقة الإكلينكية: ويقصد بها دراسة تاريخ الحالة، وتستخدم بعض أساليب القياس بالإضافة إلى طرق الملاحظة الطبيعية، أو بتوجيه بعض الأسئلة للشخص، أو قراءة مذكراته، أو معرفة أراء الأشخاص المحيطين به، ويوجه لهذه الطريقة نفس النقد الموجه لأسلوب الملاحظة المفتوحة من حيث ذاتيتها وعدم موضوعوعيتها من خلال تدخل رأي الباحث الشخصي أو تأويله وتفسيره للحالة أثناء الفحص والملاحظة.

5. القياس: هي تعريض كل فرد من أفراد العينة لموقف ما لقياس أنماط استجابة كل فرد، وأوضح مثال على القياس بعض الامتحانات مثل الاختيار من متعدد وأسئلة الصواب والخطأ، والاستفتاءات والمسوحات الميدانية لقياس الرأي العام لمسألة ما، والهدف الأساسي هو معرفة أنماط الاستجابات المختلفة، وليس تحليلها.

Back to top